أنشطة راهنة

هل كان لأنيس العامري أن ينتهج نهجاً آخر، لو أنه قرأ رواية كمال داوود؟

ريناته هاس


من شأن الهلع والرعب الذي أثاره اعتداء المواطن التونسي أنيس العامري الف ت اك في أحد أسواق عيد
الميلاد في برلين نهاية عام 2016 ، ومن شأن الألم والأسى الذي شعر به والدا الجاني بسبب فعله ذاك
ووفاته بعد أيام قليلة من الاعتداء، أن يثبت أنه لا يوجد بالنسبة للآباء أمر أسوأ من تدمير أطفالهم لحياة
الغير وحياتهم بشكل متعمد. قد يتساءل الأهل إن لم يتمكن ابنهم أن يجد طريقاً يفتح له مستقبلاً – سواء إن
كان في طفولته في حضن العائلة، أم في المدرسة، أو بعد تركه لها أو أثناء إقامته كلاجئ في إيطاليا
وألمانيا – ولماذا لم يشعر الابن بأي ذنب قبل فعله ليحمي الضحايا ونفسه من القتل؟ الأرجح أن جميع
الآباء يسألون أنفسهم مثل هذه الأسئلة، إن فُتن أطفالهم بإحداث الكوارث، بغض النظر إن عاشوا في
الوسلاتية أو تونس أو باريس أو بروكسل أو لندن أو برلين أو في أي مدينة أخرى.
قد يرى الآباء أيضاً أنه من غير المجدي التفكير بهذه الأمور طويلاً وأنه من الأفضل نسيان الأحداث
إلا ،)Meier, 2010) الرهيبة. صحيح أن نسيان "الماضي المؤلم" ضروري، وإلا فلا يمكن مواصلة الحياة
أنه في نفس الوقت لا يمكن نسيان الماضي الرهيب. وإن لم تتم معالجته بواسطة الحزن، فسيتم كبته أو
. (Beland, 2008, S.362) إنكاره أو فصمه
في ضوء هذا التطلع المحبط أود أن أتطرق هنا لمسألة إن كان هناك إمكانيات لمختلف المؤسسات أن
تُم كن الشباب من مواجهة صعوبات الحياة بشيء من الفضول والطمأنينة. باعتباري إثنولوجية
وأنثروبولوجية أعتبر أنه كلما ق ل ت معرفتنا بأنفسنا وبمجتمعنا وثقافتنا وتاريخنا، كلما زاد الخطر أن نقوم
بإسقاطات مدمرة في مواجهة لآخرين، لا سيما الغرباء بينهم. في معهدنا في برلين نتعامل مع مجموعات
متنوعة، نتحدث مثلاً مع لاجئين شباب عن معنى العيش في مجتمع علماني يكفل حرية العقيدة الدينية.
فأغلب هؤلاء الشباب يجهلون أن حر ي ة العقيدة لا تعني فقط حق العبادة لكل مؤمن وفقاً لدينه، بل أن من
حق أي شخص أيضاً عدم اتباع أي ديانة. لهذه الحرية أهمية كبيرة، لكنها تثير بالضرورة توترات في
المجتمع، وعلى الجميع أن يعملوا على احتواء هذه النزاعات كيلا تنفجر وتدمر لحمة المجتمع. مع ذلك لا
يبدي الكثير من الشباب تسامحاً كبيراً في هذه النقاشات، وبعضهم غير مستعد لتفه م الآخرين إطلاقاً.
لا نعرف إن كان غياب التسامح هذا لدى الشباب يعود فقط إلى معرفة ناقصة أم إلى ما تعرضوا له )في
بيت الأهل أو في المدرسة أو أثناء الهروب( من إهمال أو عنف بالغ أو كلا الأمرين معاً. والجدير بالذكر
أنه لا يحدث أبداً أن يروي هؤلاء شيئاً عن بعض الجوانب المظلمة في حياتهم، كالسرقة أو عن عنف
ارتكبوه بأنفسهم في أوطانهم أو أثناء هروبهم. إلا أننا نقرأ عن ذلك في الأخبار، فتناقلت الصحف مثلاً أن
أنيس العامري كان قد حُكم عليه غيابي اً بالسجن لمدة خمس سنوات في محكمة تونسية بسبب "النهب
بواسطة استخدام العنف الجسدي" أثناء تواجده في أوروبا. وأتساءل لماذا ساعده أهله على هروبه رغم
أنهم كانوا على علم بميوله العنيفة؟ هل خافوا أن ابنهم سيتعرض لسوء المعاملة أو التعذيب إذا دخل
السجن في تونس، وهل حاولوا حمايته من ذلك؟ ألم يتوقعوا أن الابن سيستمر بأفعاله العنيفة والإجرامية
في أوروبا أيضاً، ما قد يلحق الضرر بالغير )وهذا ما حدث فعلياً(؟ أم هل دبروا له طريق الهروب لأنهم
لم يعرفوا كيف يتعاملون معه واعتبروا نزوحه إلى أوروبا خياراً أهون بالنسبة لهم؟
يبدو أن أهل العامري لم يحسبوا أ ن ابنهم سيؤذي أشخاصاً آخرين في أوروبا، ربما لاعتقادهم أن
الاستعداد الكبير لاستخدام العنف بين الشباب في مجتمعات المغرب العربي وفي تونس هو نتيجة تنمية
غير متساوية بين أهالي الجهات الداخلية للبلاد )حيث نسبة الأمازيغ والبدو عالية( وسكان مدن الساحل،
حيث تتخذ النزاعات الدائرة بينهم أشكالاً عنيفة أحيان اً. لقد ازدادت هذه النزاعات بحكم الاستعمار ونزع
الاستعمار فيما بعد، كما يشير إلى ذلك الكاتب الجزائري بوعلام صنصال: كانت فرنسا قد فتحت تونس
، سريعاً "بواسطة الأسلحة المتفوقة، لكن انتفاضات دامية ومسلحة تتالت في عامي 1938 و 1952
فأرسلت فرنسا 70 ألف جندي آنذاك لاحتواء الموقف. أما الاستقلال فقد جلب لبلاد المغرب أنظمة
ديكتاتورية تستخدم السلاح والدين لقمع شعوبها. وتابع عناصر أجهزة الأمن في السجون ممارسة العنف
والإهانة، كما كانوا قد تعلموا من المستعمرين سابق اً، وهكذا تحولت هيبة الدولة إلى عنف الدولة."
وتقول المؤرخة الفرنسية من أصول جزائرية كريمة ديريش لصحيفة "لي موند" الفرنسية: "تم تعذيب
الشباب في السجون بالطريقة نفسها التي استُخدمت ضد آبائهم وأجدادهم أثناء حرب تحرير الجزائر."
(Hermann, 2017, S.8) وتحدثت عن "تراث عنيف" يكاد أن يُطويه النسيان في بلاد المغرب.
أو ربما فكر والدا أنيس العامري أيضاً أنه من العدل أن يتعرض الأوروبيون لنفس العنف الذي مارسوه
ذات يوم. ولكن ما يُنسى في هذا المنطق أن ذلك العنف المضاد لا يُزيل العنف في بلدان المغرب قط. –
إذن، أليس من الأفضل محاولة استيعاب دوافع العنف ومنحها لغة في البداية، لكي يستطيع المتورطون في
عبء هذا الإرث العنفي أن يتحاوروا؟
سوف أتحدث في التالي عن هكذا محاولة، علماً أنها مخترعة.

 

(PDF) ... أكمل القراءة

العمل الثقافي - تشارك القصص، فهم الصراعات، دعم القدرة على الوساطة

دورة تدريبية لمن يعملون في المؤسسات (مؤسسات تربوية وتعليمية، وإدارات وسلطات عامة)

منذ فترة غير قصيرة يزداد اهتمام المجتمع بالآثار الجسدية والنفسية الناتجة عن ظواهر كالعنف والهروب والتهجير والإبادة. ويتم التركيز في هذا السياق على تداعيات الاستعمار ونزع الاستعمار بشكل خاص، والتي تتضح مثلاً في المطالبات المتعددة بالتعويضات وجبر الضرر. وتزداد صعوبة هذه الوضعية تعقيداً، إذا انتمى المتخصصون في المؤسسات لمجموعات متعددة من الضحايا أو الجناة، أو إذا كانوا قد تعرضوا بأنفسهم للعنف في طفولتهم أو شبابهم. مع ذلك يُنتظر منهم في نفس الوقت أن يتحملوا مسؤولية أحداث ماضية لم يرتكبوها. إنها إشكالية على أكثر من مستوى بالنسبة لمختلف المؤسسات، كالحضانات والمدارس والسلطات التي تتعامل مع الشباب، إضافة إلى إدارات الأجانب ومكاتب العمل والشركات، وحتى الجامعات، وفي ذلك تحديات خاصة. فإن لم تتم مراعاة تلك التوترات العائدة إلى تجارب من مختلف الأزمان والأمكنة، وإن لم يُفصَح عنها بحيث يُعطىَ مجال للازدواجيات والاختلافات، ينعكس ذلك حتماً بأشكال من الاستقطاب والانقسام. مثال على ذلك الانقسام في المجتمع الألماني بين من "يرحّبون" باللاجئين ومن "يرفضونهم". فما لم تتم معالجة هذه الآليات بشكل بنّاء، أعاق ذلك قدرة عمل المؤسسات بشكل كبير.

تركز على هذه الإشكالية دورة "تشارُك القصص، فهْم الصراعات، دعم القدرة على الوساطة"، فالغرض منها فهم قوة تأثير تجارب العنف بين الثقافات والأجيال، باعتبارها مهمة تقع على عاتق المجتمع بأكمله. في إطار هذه الدورة يمكن لكل من يعملون في مؤسسات عامة أن يتحدثوا ويفصحوا عما لديهم، إلى أن يفهم الجميع ما يقصدون. إلى جانب ذلك تقدم الدورة معارف علمية حول مواضيع مختارة، من شأنها أن تلقي ضوءاً جديداً على بعض المجالات الخلافية. تتوجه الدورة إلى كل من يسعى لدعم مدنية المجتمع الديمقراطي التعددي.


مكان الدورة التدريبية: يُتفق عليه

المدة: 3 أيام، كل يوم 8 ساعات

عدد المشاركين: 8 أشخاص

الثمن: يُتفق عليه

 

تم دعم المشروع النموذجي من عام 2015 إلى 2019 في إطار البرنامج الاتحادي "الديمقراطية الحية".